فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

يخطه بشماله ، ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة كان قوله تعالى : * ( كافة للناس بشيراً ونذيراً ) * ( سبأ : 28 ) لا يناسب ذلك ، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك ، وهو صدق الرسالة المخصوصة ، فيكون قوله تعالى : * ( كافة الناس ) * دليلاً على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى الكل . ثم قال تعالى : * ( وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * . * ( وآخرين ) * عطف على الأميين . يعني بعث في آخرين منهم ، قال المفسرون : هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أي طائفة كانت قاله ابن عباس وجماعة ، وقال مقاتل : يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم ، وفي الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة فالمراد بالأميين العرب . وبالآخرين سواهم من الأمم ، وقوله : * ( وآخرين ) * مجرور لأنه عطف على المجرور يعني الأميين ، ويجوز أن ينتصب عطفاً على المنصوب في * ( ويعلمهم ) * ( الجمعة : 2 ) أي ويعلمهم ويعلم آخرين منهم ، أي من الأميين وجعلهم منهم ، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم ، فالمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلف أجناسهم ، قال تعالى : * ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) * ( التوبة : 71 ) وأما من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد بقوله : * ( وآخرين منهم ) * وإن كان النبي مبعوثاً إليهم بالدعوة فإنه تعالى قال في الآية الأولى : * ( ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) * ( الجمعة : 2 ) وغير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب والحكمة * ( وهو العزيز ) * من حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل له والفقر إليه ، والحكيم حيث جعل في كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته ، قوله تعالى : * ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) * قال ابن عباس : يريد حيث ألحق العجم وأبناءهم بقريش ، يعني إذا آمنوا ألحقوا في درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام ، وشاركوهم في ذلك ، وقال مقاتل : * ( ذلك فضل الله ) * يعني الإسلام * ( يؤتيه من يشاء ) * وقال مقاتل بن حيان : يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء ، فاختص بها محمداً صلى الله عليه وسلم . والله ذو المن العظيم على جميع خلقه في الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة كما مر ، وفي الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال . ثم إنه تعالى ضرب لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة ، والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً فقال : * ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ